صلابة السائر.

هناك فرقٌ شاسع بين أن يختلف معك أحد، وبين أن يعجز عن تقبّل وجودك خارج حدود أفكاره.

فالاختلاف أمر طبيعي، بل وصحي أحيانًا. لكن المشكلة تبدأ حين يظن البعض أن أفكارهم هي المقياس الوحيد للصواب، وأن كل ما عداها يحتاج إلى إصلاح أو تقويم أو إعادة تشكيل.

عشت سنوات طويلة أراقب هذه المحاولات , محاولات مستمرة لصناعة نسخةٍ مني تشبه ما يريدونه هم، لا ما أريده أنا.

كانوا ينزعجون من استقلالي أكثر من انزعاجهم من أخطائي.

وينزعجون من أسئلتي أكثر من انزعاجهم من الإجابات الناقصة التي يملكونها.

وكانوا يظنون أن كثرة الأصوات قادرة على إسكات صوتي.

لكنهم لم يفهموا شيئًا واحدًا , أنني لم أصل إلى قناعاتي بسهولة.

لم أستيقظ يومًا فوجدت شخصيتي جاهزة.

أنا ابنة سنواتٍ من التجارب، والخسارات، والانتصارات، والخيبات، والقرارات التي دفعت ثمنها بنفسي.

كل فكرة أؤمن بها اليوم مرت بمئات الأسئلة قبل أن تستقر في داخلي.

وكل مبدأ أتمسك به الآن بُني فوق أيام طويلة من الشك والبحث والتأمل.

لهذا لا يمكن لأحد أن ينتزع مني ما بنيته في سنوات، لمجرد أنه لا يعجبه.

لا أخاف من الاختلاف.

بل أراه دليلًا على أن لكل إنسان رحلته الخاصة.

أرفض أن يعاملني أحد كأنني مشروع تعديل.

أو كأن شخصيتي مسودة تحتاج إلى موافقة الآخرين قبل اعتمادها.

أنا لا أعيش لأحقق الصورة التي رسمها الناس لي.

ولا أسير في الطرق التي اختاروها لأنفسهم.

ولا أرتدي الأفكار التي تناسبهم فقط لكي أشعر بالقبول.

لقد تعلمت أن أثمن أنواع القوة ليست القوة التي تجعلك تنتصر على الآخرين.

بل القوة التي تجعلك تبقى نفسك رغم محاولات الجميع لتغييرك.

القوة الحقيقية أن تحافظ على صوتك عندما ترتفع الأصوات حولك.

أن تتمسك بقناعاتك عندما يصبح التخلي عنها أسهل.

أن تنظر إلى كل الضغوط التي تحيط بك وتقول بهدوء:

“أسمعكم جميعًا… لكنني ما زلت أختار نفسي.”

ولعل أكثر ما يربك الناس أنني لا أحتاج موافقتهم.

لا أحتاج أن يتفقوا معي كي أشعر أنني على صواب.

ولا أحتاج تصفيقهم كي أواصل طريقي.

لقد مشيت وحدي بما يكفي لأعرف أن الطريق لا يصنعه عدد المرافقين، بل صلابة السائر فيه.

ولهذا، كلما حاول أحدهم أن يفرض عليّ فكره، ازددت اقتناعًا بأن أقوى ما أملكه ليس رأيي ! بل حريتي في أن أمتلك هذا الرأي.

أضف تعليق