لم يكن رحيله يشبه الأبواب التي تُغلق، ولا القطارات التي تغادر محطاتها معلنةً موعد المغادرة.
كان أشبه بمدينةٍ استيقظت ذات صباح لتجد أن البحر الذي كانت تطل عليه اختفى.
لا صوت.
لا وداع.
لا تفسير.
فقط فراغ هائل في المكان الذي اعتادت أن تراه ممتلئًا بالحياة.
سنواتٌ طويلة كان فيها جزءًا من تفاصيلها الصغيرة؛ من قهوتها الباردة حين تنشغل بالحديث، من الأغاني التي تحفظها دون أن تدري لماذا، من الطرق التي تسلكها، ومن الأحلام التي رتبتها على مقاس وجوده.
ثم مضى.
وكأن كل تلك السنوات لم تكن سوى سطرٍ يمكن محوه بممحاةٍ واحدة.
أما هي فلم تكن تبكيه وحده، بل كانت تبكي النسخة التي كانت عليها معه.
تبكي الطمأنينة التي سكنت قلبها يومًا، والعادة التي تحولت إلى جزء من تكوينها، واليقين الذي كان يربط أيامها ببعضها كخيطٍ خفي.
كان مؤلمًا أن يرحل شخص، لكن الأكثر قسوة أن يبقى أثره في كل شيء.
في الأماكن التي مرت بها معه.
في الكلمات التي كان يرددها.
في الأوقات التي اعتاد أن يكون حاضرًا فيها.
حتى الصمت صار يحمل ملامحه.
كانت تمشي في حياتها كما تمشي الناجية من حريقٍ كبير؛ تبدو سليمة للناس، بينما لا أحد يرى الدخان العالق في رئتيها.
ولا أحد يعرف أن قلبها ظل لفترةٍ طويلة يقف كل ليلة عند بابٍ لن يعود أحد لطرقه.
لم تكن تبحث عن عودته.
كانت تبحث عن تفسيرٍ واحد فقط يرمم الفوضى التي تركها خلفه.
لكن بعض الراحلين لا يأخذون أنفسهم فقط، بل يأخذون معهم الإجابات أيضًا.
فيتركون خلفهم إنسانًا يقضي سنواتٍ وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لشخصٍ أقسم للبقاء أن يتحول فجأة إلى ذكرى، وكيف يمكن لعمرٍ كامل من الحضور أن ينتهي بدون وداعاً !

أضف تعليق