بهدوءٍ أكثر مما ينبغي ●

لطالما ظننت أن قلبي أكثر حكمةً من أن يُؤخذ على حين غفلة، وأكثر اتزانًا من أن يتبع أثر شعورٍ عابر. لم أكن أُعطي الإعجاب أكبر من حجمه، ولم أكن أؤمن بتلك الحكايات التي تبدأ بنظرةٍ وتنتهي بعاصفة. كنت أمرّ بالناس كما تمرّ الفصول؛ الاحظها، ثم أتركها خلفي دون أن تترك فيّ أثرًا يستحق البقاء.

كنت أعتقد أنني أعرف نفسي جيدًا.

أعرف ما الذي يلفتني، وما الذي يعبرني، وما الذي لا يملك القدرة على زحزحة شيءٍ واحد في داخلي.

لكن الحياة تضحك أحيانًا من يقيننا.

لأن أكثر الأشياء التي تغيّرنا هي تلك التي لم نستعد لها.

لم تأتِ إلى حياتي بصورةٍ استثنائية، ولم تحمل معك ضجيجًا يجبرني على الالتفات. بل جئت بهدوءٍ يشبه المطر الأول؛ لا يُسمع صوته في البداية، لكنه حين ينتهي تكتشف أن الأرض كلها قد ابتلّت.

ولهذا لم أنتبه.

لم أنتبه متى أصبحت أستثنيك من الآخرين.

ولا متى أصبحت بعض الأسماء تبدو عادية بعد اسمك.

ولا متى صار حضورك يترك في يومي أثرًا لا يتركه أحد.

كل ما أعرفه أنني كنت شخصًا شديد الحذر، ثم وجدتني أقل حذرًا حين يتعلق الأمر بك.

كنت أؤمن أن المشاعر تُطرق الأبواب، لكنك أثبتّ لي أنها أحيانًا تتسلل من النوافذ التي نتركها مفتوحة للنور.

الأمر لم يكن حبًا صاخبًا كما تصفه الروايات، بل كان أخطر من ذلك بكثير.

كان ألفة.

وما أصعب الألفة حين تأتي متأخرة.

وما أقسى أن تجد روحًا تشبهك بعد أن تعتاد الوحدة حتى تصبح جزءًا منك.

كنت أظن أنني أقاومك، بينما كنت في الحقيقة أعتاد وجودك. كنت أظن أنني ما زلت على المسافة نفسها، بينما كنت أقترب منك خطوةً بعد أخرى دون أن أشعر.

حتى أصبحت أبحث عنك في التفاصيل الصغيرة.

في الأشياء التي لا تستحق البحث.

في لحظةٍ جميلة مرّت خلال يومي.

وفي خبرٍ وددت لو أخبرك به أولًا.

وفي دعوةٍ عابرة تمنيت لو كنت حاضرًا فيها.

وفي كل مرةٍ يحدث شيءٌ يستحق المشاركة، كان اسمك يسبق الجميع إلى ذهني.

وهنا فقط أدركت أن الأمر لم يعد كما كان.

أنك لم تعد شخصًا مرّ من هنا.

بل أصبحت جزءًا من الطريقة التي أرى بها أيامي.

الغريب أنني لا أريد منك شيئًا محددًا.

لا أريد وعدًا، ولا تفسيرًا، ولا حتى يقينًا كاملًا.

يكفيني ذلك الشعور الهادئ الذي يزورني كلما مررت بخاطري.

يكفيني أن وجودك لم يزدني اضطرابًا ، بل جعل العالم أقل قسوةً مما بدا عليه طويلًا.

أضف تعليق