اللقاء عابرًا في بدايته، بسيطًا إلى الحد الذي لا يوحي بأنه سيترك أثرًا طويلًا. حديث قصير، ثم لقاء آخر، ثم اعتياد هادئ تسلل بينهما دون أن يلاحظاه.
التقيا كما تلتقي الأشياء الجميلة دائمًا؛ دون موعدٍ مسبق، ودون ضجيج، ودون أن يرفرف فوق المشهد أي إعلان يخبرهما أن حياتهما على وشك أن تكتسبا لونًا جديدًا.
المقهى مزدحم كعادته، والناس يأتون ويغادرون دون أن يتركوا أثرًا يُذكر.
لكن بين عشرات الوجوه التي مرت بذلك المكان، كان هناك وجهان اختار لهما القدر أن يتوقفا قليلًا عند بعضهما.
لم تكن البداية استثنائية كما في القصص، ولم يحدث شيء يستحق أن يُروى كثيرًا. مجرد حديثٍ عابر، ثم لقاءٍ آخر، ثم أيامٌ جعلت الغريب مألوفًا، والمألوف قريبًا، والقريب جزءًا من تفاصيل الحياة.
كان حديثًا عابرًا في البداية.
ثم أصبح الحديث يطول.
ثم أصبحت الأيام نفسها أقصر من أن تتسع لكل ما يريدان قوله.
يشعران أن بعض الصدف لم تكن عابرة أبدًا،
ومع الوقت، أصبح بينهما شيء يشبه الطمأنينة، لم يعد المقهى مجرد مكانٍ تُشرب فيه القهوة.
اصبح احدهم اذا دخل المقهى قبل الآخر، شعر أن المكان ناقصٌ رغم ازدحامه ، والغريب أن المقهى نفسه بدأ يتغير.
أو ربما لم يتغير المقهى، بل تغيرت عيناهما.
والكوب الذي كان يُشرب ثم يُنسى، صار يحتفظ بذكريات أكثر مما يحتفظ بالقهوة.
شيئًا فشيئًا، بدأ كلٌ منهما يحتل مقعدًا ثابتًا في يوم الآخر، لا على طاولة المقهى فحسب، بل في تفاصيله الصغيرة أيضًا.
كانا يلتقيان وكأن العالم يهدأ قليلًا حولهما.
يتشاجران مزاحًا ثم يضحكان قبل أن يكتمل الخلاف، يسخر أحدهما من الآخر ثم ينتهي الأمر بابتسامة لا يستطيعان إخفاءها.
وكان بينهما ذلك النوع النادر من الألفة؛ الألفة التي لا تحتاج إلى تفسير، ولا إلى أسماء واضحة، ولا إلى وعود .
وكان أحدهما يجد في الآخر مساحةً آمنة يهرب إليها من صخب الأيام، ويجد في صوته راحةً لا يعرف كيف يفسرها، وفي حضوره دفئًا يجعل العالم أقل قسوة.
كانت الأحاديث تمتد بلا ملل، والضحكات تتكرر على الأشياء نفسها وكأنها تسمع لأول مرة، وكانت المشاكسات الصغيرة بينهما تشبه ألعاب الأطفال؛ لا غالب فيها ولا مغلوب، فقط قلبان يستمتعان بالقرب.
هذا الكوب يذكرهما بحديثٍ طويل انتهى بعد إغلاق المكان، وتلك الزاوية تحفظ ضحكةً لم يستطيعا إيقافها، وذلك المقعد ما زال يحتفظ بأثر لقاءٍ جعل يومًا عاديًا يبدو أجمل من المعتاد.
كانا يذهبان إلى المكان في البداية لأنهما يحبانه، ثم أصبحا يذهبان إليه لأن كلاً منهما يجد الآخر هناك.
وكأن المقهى لم يعد عنوانًا لمكان، بل عنوانًا لشخص.
شخصٍ أصبح حضوره جزءًا من تفاصيل اليوم، وغيابه فراغًا صغيرًا لا يراه أحد، لكنه محسوس في القلب.
وربما لهذا السبب بقيت تلك الحكاية مختلفة.
ولم يعد أحدهما يأتي إلى المقهى من أجل القهوة.
فالقهوة كانت مجرد حجة مهذبة.
أما السبب الحقيقي، فكان يجلس على المقعد المقابل.
وهكذا، تحول ذلك المقهى من مكانٍ تُشرب فيه القهوة، إلى ذاكرةٍ كاملة.
وأصبح له سببان لا سبب واحد للعودة إليه ،

أضف تعليق