جزءًا من المشهد. 🧠

في بعض الليالي، أستيقظ قبل الفجر بقليل.

لا شيء يوقظني على وجه التحديد.

لا صوت سيارة في الخارج، ولا حلم سيئ، ولا رسالة متأخرة.

فقط ذلك الشعور الغامض الذي يجعل الروح تفتح عينيها قبل الجسد.

أبقى مستلقيًا لبعض الوقت.

أنظر إلى السقف.

وأفكر في الأشياء التي لا أفكر فيها عادة أثناء النهار.

في النهار يبدو كل شيء منطقيًا.

الناس يذهبون إلى أعمالهم.

المقاهي تفتح أبوابها.

والشمس تؤدي وظيفتها القديمة بإتقان.

أما في الرابعة صباحًا، فالعالم يبدو أقل ثقة بنفسه.

كأنه هو أيضًا لا يعرف إلى أين يمضي.

أحيانًا أفكر بكِ في تلك الساعة.

لا باعتباركِ ذكرى.

ولا باعتباركِ حلمًا.

بل باعتباركِ جزءًا من المشهد.

مثل الضوء الخافت القادم من الشارع.

أو مثل صوت الثلاجة في المطبخ.

شيء معتاد.

شيء هادئ.

شيء أصبح وجوده جزءًا من تعريف المكان.

الغريب أن الإنسان لا ينتبه إلى أهمية بعض الأشخاص إلا بعد أن يصبحوا جزءًا من روتينه الداخلي.

تمامًا كما لا ننتبه إلى دقات الساعة المعلقة على الحائط إلا حين تتوقف.

كنتِ بالنسبة لي تشبهين تلك الدقات.

هادئة.

منتظمة.

وموجودة دائمًا في الخلفية.

لكنها كانت تمنح الوقت شكله.

أحيانًا أتخيل أن الأرواح تشبه المدن.

فيها شوارع مزدحمة يعرفها الجميع.

وفيها أزقة صغيرة لا يصل إليها أحد.

معظم الناس يتجولون في الشوارع الرئيسية فقط.

يتحدثون عن الطقس.

والعمل.

والأخبار.

ويغادرون.

أما القليلون جدًا، فهم الذين يعثرون على تلك الأزقة المنسية.

الأماكن التي لا نعرضها عادة على الغرباء.

أظنكِ كنتِ واحدة من أولئك القليلين.

كنتِ تعرفين الطرق التي أخفيتها حتى عن نفسي.

تعرفين متى أقول “أنا بخير” بينما لا أكون بخير.

وتعرفين الفرق بين صمتي العادي وصمتي المتعب.

وهذا أمر نادر.

نادر إلى درجة مخيفة أحيانًا.

لأننا حين نُرى على حقيقتنا، نصبح أكثر هشاشة.

كأن أحدهم عثر على المفتاح الذي أبقيناه مخبأً سنوات طويلة.

ربما لهذا السبب يخاف الناس من الحب.

ليس لأنهم يخشون الرحيل.

بل لأنهم يخشون أن يجد أحدهم الطريق إلى أعماقهم فعلًا.

ثم يغادر.

وأعتقد أن كل إنسان يحمل بداخله غرفة مغلقة.

غرفة لا يدخلها أحد.

تتراكم فيها الرسائل التي لم تُرسل.

والاعتذارات التي تأخرت.

والأحلام التي لم تجد طريقها إلى الحياة.

في بعض الأيام نجلس داخل تلك الغرفة وحدنا.

ونشعر أن العالم كله بعيد.

بعيد بطريقة لا يمكن قياسها بالكيلومترات.

بل بالوحدة.

لكن المدهش أن شخصًا واحدًا فقط قد يغير شكل تلك الغرفة بالكامل.

ليس لأنه يصلح ما فيها.

ولا لأنه يملأها بالأثاث الجديد.

بل لأنه يجلس على الأرض بصمت ويقول:

أنا هنا.

وفجأة لا تبدو الجدران ضيقة كما كانت.

ولا يبدو الليل طويلًا كما كان.

ولا يبدو الحزن قادرًا على ابتلاع كل شيء.

أعتقد أن هذا هو المعنى الحقيقي للطمأنينة.

أن تعرف أن هناك شخصًا في هذا العالم يستطيع أن يجدك حتى عندما تضيع داخل نفسك.

شخصًا لا يحتاج إلى خريطة.

ولا إلى تفسير.

ولا إلى كلمات كثيرة.

فقط ينظر إليك ويعرف.

يعرف أنك متعب.

ويعرف أنك تحاول.

ويعرف أنك أقوى مما تبدو عليه.

ثم يبقى.

وهذا البقاء وحده طمأنينة . 

أضف تعليق