في حضرة ألم أمي.

أجلس إلى جوار أمي في سريرها الأبيض، وأرى الألم وقد اتخذ من جسدها وطنًا مؤقتًا، فأشعر أن كل وجع يمر بها يعبر من خلالي أولًا.

كيف لعقلي الصغير أن يستوعب أن المرأة التي احتميت بها عمري كله، أصبحت اليوم تبحث عن الأمان في عيني؟ كيف لقلبي أن يصدق أن أمي، جبلي الذي لا يميل، أصبحت الآن تحتاج إلى يدي المرتجفة وحضني الخائف وكلماتي التي أبحث عنها فلا أجدها؟

بين ليلة وضحاها تبدلت الأدوار، فأصبحت أنا المرافقة، وأنا السند، وأنا الأمان الذي يجب أن يبدو قويًا، بينما في داخلي طفلة ترتجف من فكرة واحدة فقط: أن تفقد أمها.

أروقة المستشفى الطويلة، خطواتي المتعثرة بين الجدران الباردة، جلوسي ثم قيامي ثم عودتي للمشي من جديد وكأن الحركة وحدها تؤجل انهياري. أذكر أنفاسي الثقيلة، ودموعي التي كنت أمسحها سريعًا، وسجودي الطويل جدًا… الطويل إلى درجة أن الوقت فقد معناه.

لم أطلب شيئًا، ولم أقل دعاءً طويلًا، ولم أجد كلمات فصيحة تليق بخوفي. كل ما خرج من قلبي كان جملة واحدة تتكرر بصوت مكسور:

“يارب ، أبغى أمي”

ست عشرة ساعة من الانتظار كانت كأنها عمر كامل. ست عشرة ساعة وأنا أراقب الأبواب المغلقة وأحارب ألف احتمال في رأسي. كنت أخاف من الأخبار، وأخاف من الصمت، وأخاف حتى من مرور الوقت.

أنا متعبة… ليس لأن السهر أتعبني، بل لأن رؤية أمي تتألم كسرت شيئًا عميقًا في داخلي. متعبة لأن تفاصيل مرضها أكبر من قدرتي على الاحتمال، ولأنني أبدو أمامها قوية بينما الحقيقة أنني أضعف بكثير مما تظن.

أمي لا تعلم أن ابنتها التي تحاول أن تمنحها الطمأنينة، كانت كل ليلة تجمع شتات نفسها بصعوبة، وأن القلب الذي يبتسم لها كي لا تخاف، كان يرتجف سرًا من هول الانتظار.

ففي حضرة ألم الأم، لا يكبر الأبناء كما يظن الناس… بل يعودون أطفالًا، يبحثون عن يد أمهم حتى وهم يمسكون بيدها .

أضف تعليق