للنافذةِ قلبانِ من خشب

.

للنافذةِ قلبانِ من خشب.

ينفرجانِ كلَّ صباحٍ كما لو أنَّ بينهما شوقًا قديمًا لا يهدأ، ثم يعودانِ إلى بعضهما عند المساءِ كعاشقينِ أتعبهما البُعد.

لا أحدَ يلتفتُ إلى هذا اللقاء اليوميّ الصغير.

لكنَّ السماءَ تعرفه.

والشمسُ تمرُّ بينهما كلَّ يومٍ شاهدةً على مصالحةٍ لا تنتهي.

كأنهما يدانِ متعبتانِ تفترقانِ لتفسحا الطريقَ للعالم، ثم تلتقيانِ من جديدٍ حين يثقلُ النهار.

ومن بينهما تعبرُ الفصول.

تمرُّ أسرابُ الطيورِ كرسائلَ مؤجلة.

وتسقطُ أوراقُ الخريفِ كاعتذاراتٍ متأخرة.

ويجيءُ المطرُ ليغسلَ ذاكرةَ الخشبِ من غبارِ الانتظار.

كلُّ خدشٍ في جسدهما حكاية.

وكلُّ طبقةِ طلاءٍ قديمةٍ عمرٌ كاملٌ من الوقوفِ في وجهِ الريح.

وحين تهبُّ العواصفُ بقسوتها، لا يهربُ أحدهما من الآخر.

بل يتقاربانِ أكثر.

كأنَّ الخوفَ نفسهُ يذكّرهما أنَّ الأشياءَ لا تنجو إلا بما تُحب.

وفي الليالي الطويلة، حين ينامُ البيتُ وتخفتُ الأصوات، يبقيانِ مفتوحينِ قليلًا على العتمة.

يتأملانِ القمرَ المعلَّقَ بعيدًا.

ويصغيانِ إلى الأشجارِ وهي تتهامسُ في الظلام.

ثم يهمسُ أحدهما للآخر بصوتٍ لا يسمعهُ أحد:

لا تحزني…

فالريحُ التي تبعدنا كلَّ صباحٍ هي ذاتُها التي تعيدنا كلَّ مساء.

وما الفراقُ إلا طريقةُ الزمنِ ليمنحَ اللقاءَ معنى.

سنشيخُ معًا.

وسيتقشَّرُ الطلاءُ عن وجوهنا.

وستنحتُ الأمطارُ ملامحَ جديدةً في أرواحنا.

لكننا سنبقى هنا…

نافذتينِ تُطلّانِ على العالم،

وقلبينِ لا يعرفانِ كيفَ يعيشانِ إلا متقابلين .

أضف تعليق