لا أعرف متى يبدأ الحزن تحديدًا.
ربما لا يبدأ حين تنكسر الأشياء الكبيرة، بل حين تتوقف الأشياء الصغيرة عن أن تكون كما كانت.
حين تستيقظين صباحًا وتشعرين أن الغرفة أوسع مما ينبغي، وأن صوت الغلاية في المطبخ أبعد من المعتاد، وأن النهار دخل من النافذة دون أن يحمل معه شيئًا يستحق الانتظار.
في تلك اللحظات تحديدًا، لا تحاولي أن تكوني قوية.
تعالي إليّ.
ليس لأنني أملك علاجًا سريًا للحزن، ولا لأنني أعرف الطريق المختصر للخروج من المتاهات التي يصنعها القلب لنفسه.
بل لأنني أعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن الإنسان لا ينبغي له أن يحمل العالم وحده.
أحيانًا يكون الحزن مجرد كرسي فارغ في زاوية الروح، لكنه يكبر كلما جلسنا أمامه وحدنا.
وأحيانًا يكون مجرد أغنية قديمة تعبر صدفةً من مكانٍ ما، فتفتح بابًا ظننا أننا أغلقناه منذ سنوات.
وأحيانًا لا يكون شيئًا مفهومًا أصلًا.
مجرد ثقل غامض يجعلك تنظرين إلى السماء كثيرًا دون أن تعرفي ما الذي تبحثين عنه هناك.
حين يحدث ذلك، تعالي إليّ.
تعالي كما أنتِ.
بفوضاكِ التي لم ترتبيها بعد، وبالأسئلة التي لا تملكين لها جوابًا، وبذلك الصمت الذي يسبق البكاء ولا يشبهه.
لن أطلب منك تفسيرًا.
فالقلوب المتعبة لا تحتاج إلى محقق، بل إلى رفيق يجلس بجانبها حتى تهدأ.
يمكننا أن نتحدث عن أشياء لا علاقة لها بالحزن.
عن القطارات التي تفوت مواعيدها، وعن الكتب التي لم نكملها، وعن المطر الذي يهطل في المدن البعيدة.
أو يمكننا ألا نتحدث إطلاقًا.
فالصمت أحيانًا يشبه بطانية دافئة في ليلة باردة؛ لا يحل المشكلة، لكنه يجعل احتمالها أقل قسوة.
أظن أن هذا ما أريده لكِ دائمًا.
أن تعرفي أن هناك مكانًا تستطيعين أن تضعي فيه تعبكِ لبعض الوقت.
مكانًا لا يطالبكِ بالشجاعة حين تعجزين عنها، ولا بالابتسام حين يثقل وجهكِ الحزن.
مكانًا يسمح لكِ أن تكوني إنسانة فقط.
هشة أحيانًا، ومتعبة أحيانًا، وضائعة أحيانًا.
وأحب أن أكون ذلك المكان.
ليس لأنكِ بحاجة إليّ دائمًا، بل لأنني أحب فكرة أن يكون لكِ ملجأ حين تضيق بكِ الجهات كلها.
فالحياة، مهما بدت واسعة، تمتلك قدرة غريبة على محاصرة الإنسان في بعض الأيام.
وعندها لا ينقذنا من العتمة شيء كبير.
لا المعجزات، ولا الكلمات البليغة.
بل شخص واحد يقول بهدوء:
تعالي.

أضف تعليق