اشتقتُ إليك.
لا كما يشتاقُ غائبٌ إلى غائب.
بل كما تشتاقُ مدينةٌ هُجرت منها أنهارُها.
وكما تشتاقُ القصيدةُ إلى الكلمةِ التي خُلقت من أجلها ولم تجدها.
اليوم عيد.
والمدنُ تضعُ أقراطها الملوّنة،
وتنثرُ على الشرفاتِ ضحكاتٍ جديدة،
وتُشعلُ في النوافذِ قناديلَ الفرح.
وأنا…
كلّما ازداد العالمُ بهجةً،
ازددتُ شعورًا بغيابك.
كأنّ الفرحَ لا يكتمل إلا بنقصانٍ واحد.
وأنتَ ذلك النقصان.
أدهشني جداً
أن رجلاً واحدًا يستطيع أن يغيّر هندسة الأشياء.
أن يجعل امرأةً تعيد ترتيبَ الفصولِ وفقَ مواعيدِ صوته.
وتقيسَ المسافاتِ بين المدن
بعددِ المرّاتِ التي اشتاقت إليه فيها.
كيف استطعت
أن تحتل هذا القدرَ من الجغرافيا؟
كيف أصبحت مدينةً كاملةً داخل امرأة؟
واصبحت شارعًا أمشي فيه كلَّما ضعت.
وميناءً أرسو عنده كلَّما تعبت.
كذلك انت تلك اللغةَ السريةَ التي لا يفهم بها قلبي إلا نفسه.
منذ عرفتكَ،
لم تعدِ الأماكنُ أماكن.
المقهى الذي نجلس فيه
اصبح قطعةً من ذاكرتك.
والطريقُ المؤدي إليه
اصبح شريانًا صغيرًا في قلبي.
كذلك المطر…
ذلك الذي كان يسقطُ على النوافذِ بلا معنى،
أصبح يشبه رسائلك المؤجلة.
كنتَ تملأ الفراغَ حولي
كما يملأ العطرُ غرفةً أُغلقت طويلًا.
وكنتُ أكتشفُ كلَّ يومٍ
أن المرأة لا تحتاجُ إلى رجلٍ يملكُ العالم.
بل إلى رجلٍ يجعلُ العالمَ أقلَّ اتساعًا من يده.
كنتَ الشيءَ الوحيد
الذي لم أحتج على تفسيره
والشيءَ الوحيد
الذي صدّقته قبل أن أفهمه.
ولكنك بعييد!
وبُعدك يخلق شيءٌ لا أعرف اسمه.
شيءٌ يشبه الطمأنينة.
ويشبه البيت.
ويشبه تلك اليد التي تمسك أرواحنا من الداخل كي لا نسقط.
ببُعدك!
أقفُ في ازدحام العالم
كشجرةٍ نُزع منها ظلُّها.
أبدو مكتملةً أمام الجميع.
لكنّ الريح تعرف.
والليل يعرف.
والوسادة تتعرف
أنَّ أجملَ جزءٍ من روحي
ما زال يجلسُ هناك…
في الجهةِ التي تركتَها فارغةً منك.
:

أضف تعليق