أراك ,
فيهدأ العالم لحظة، ويضطرب قلبي ألف مرة.
ولا أعرف كيف يمكن لإنسانٍ أن يكون قريبًا إلى هذا الحد، وبعيدًا إلى هذا الحد في الوقت نفسه.
أجلس أمامك أحيانًا، فأشعر أن بيني وبينك مسافةً لا تُقاس بالخطوات.
كأن بيننا بحارًا من التردد، وقاراتٍ من الصمت، وحدودًا لا تفتحها جوازات السفر ولا تزيلها الخرائط.
قريبٌ كالحلم الذي تراه كل ليلة ولا تلمسه.
وكالمطر الذي تسمع صوته خلف النافذة ولا تستطيع الخروج إليه.
وكالدفء الذي تراه في النار بينما يقف بينك وبينها زجاجٌ سميك.
أحيانًا أنظر إليك فأشعر أن كل ما في داخلي يركض نحوك.
قلبي.
وتعبي.
وأيامي الثقيلة.
والطفلة القديمة التي ما زالت تبحث عن مكانٍ تختبئ فيه من العالم.
كلهم يركضون نحوك.
بينما أبقى أنا واقفةً في مكاني.
أبتسم.
وأتحدث بصورةٍ طبيعية.
وأخفي تلك الرغبة المجنونة في أن ألقي عن روحي كل هذا الثقل، وأن أستريح فيك قليلًا.
قليلًا فقط…
كأنني عائدة من سفرٍ طويل.
وكأنك آخر ضوءٍ في مدينةٍ انطفأت أنوارها جميعًا.
أراك.
وارغب بك ! على هيئة طمأنينة.
لا على هيئة حب.
أريد ذلك السكون الذي يسكنك.
أريد الأمان الذي يخرج من صوتك دون أن تشعر.
أريد تلك اللحظة التي أتوقف فيها عن حمل نفسي.
ارغب أن أكون ضعيفة ، ضعيفة جدًا أمامك !
كغيمةٍ أنهكها السفر وتبحث عن جبلٍ تستند إليه.
كطفلةٍ أضاعت الطريق وعثرت أخيرًا على اليد التي كانت تبحث عنها.
أحيانًا أشعر برغبةٍ جارفة أن أعبر المسافة كلها دفعةً واحدة.
أن أرتمي في حضنك كما يرتمي الناجون من العواصف على اليابسة.
أن أدفن رأسي عند كتفك، لا لأقول شيئًا، بل لأن كل ما أريد قوله أكبر من اللغة.
أن أضع رأسي على صدرك للحظةٍ واحدة فقط.
لحظةٍ تكفي لأنسى عدد المعارك التي خضتها وحدي.
لحظةٍ لا أكون فيها قوية ، ولا متماسكة.
مجرد امرأةٍ وجدت أخيرًا المكان الذي تستطيع أن تسند إليه تعبها.
لكنني أبقى حيث أنا.
وتبقى حيث أنت !
المشكلة أنني كلما اقتربت منك، ازداد إحساسي ببعدك.
كأنك سرابٌ جميل خُلق ليُرى لا ليُلمس.
والمؤلم أنك لا تبدو بعيدًا.
بل قريبًا على نحوٍ قاسٍ.
وكأن الحياة تتعمد أن تضعك في مرمى قلبي، ثم تسحبك خطوةً كلما حاولت الوصول.
افكر بك من شيءٌ رأيته لا علاقة له بك فأشتاق.
حتى أصبحت أشعر أن قلبي لم يعد عضوًا في جسدي، بل بوصلةً لا تشير إلا إليك.
وما يؤلمني ليس الغياب.
بل حضورك الناقص.
أن تكون موجودًا بما يكفي لأراك.
وغائبًا بما يكفي لأفقدك.
أن أستطيع أن أمدّ عيني نحوك.
ولا أستطيع أن امسك يديك.
أن أعرف شكل الأمان ، وأعجز عن الاحتماء به.
ولو سألني أحدهم الآن ماذا أريد منك؟
لما طلبت وعدًا.
ولا مستقبلًا.
ولا حتى حبًا.
كنت سأطلب دقيقةً واحدة فقط.
دقيقةً أضع فيها رأسي على صدرك.
وأغلق عيني.
وأتوقف أخيرًا عن مقاومة هذا العالم.
دقيقةً واحدة ، أضع رأسي على صدرك ..

أضف تعليق